عبد الكريم الخطيب
461
التفسير القرآنى للقرآن
ونون التوكيد . . . وليس وعده سبحانه في حاجة إلى توكيد ، فهو محقق لا شك فيه . . . ولكن لتطمئن قلوب المؤمنين ، ولتثبت أقدامهم على الطريق الشاق الذين يأخذونه إلى الهجرة ، وما يعترضهم عليه من دواعي الإشفاق من فراق الأهل والولد . قوله تعالى : « وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . هو تطمين لقلوب المسلمين المدعوين إلى الهجرة ، والذين استجابوا لها ، وأعدّوا العدة لإمضائها ، أو للذين هم قد هاجروا فعلا ، وانقطعت موارد رزقهم التي كانت في أيديهم ، بين أهلهم وفي ديارهم . . . وإنه لن يأسى المسلمون على ما تركوا وراءهم من مال ومتاع ، ولن يهتمّوا كثيرا لأمر المعاش ، ولن يشغلوا به . . . فاللّه سبحانه الذي يرزق الدواب في القفار ، والطيور في السماء ، هو الذي يتكفل بأرزاق الناس ، وأن سعيهم في وجوه الأرض ، وما يبذلون من حول وحيلة ، إنما هو أسباب موصلة إلى ما قدّر اللّه لهم من رزق . . . ولن ينال أحد مهما جدّ وسعى غير ما هو مقدور له . وقوله تعالى : « وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا » إشارة إلى أن كثيرا من الدواب لا تستطيع أن تحمل رزقها ، أي تحصّله بنفسها ، وتصل إليه بسعيها . . وأقرب مثل لهذا مواليد الحيوان ، حيث سخّر اللّه لها الأمهات والآباء لتعمل على إطعامها ، بل وتزقّه في فمها ، وتلقيه في جوفها . . وإذا بدا لنا أن بعض الدواب كالأسود والذئاب ونحوها قادرة على انتزاع غذائها من الحياة ، فإن ذلك لا يعدو في حقيقته أن يكون رضاعة من ثدي الطبيعة التي خلقها اللّه على هذا النظام البديع المعجز ، الذي يجد فيه كل كائن رزقه